الشيخ محمد هادي معرفة
79
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
الدلالة عليه والنقصان ، فعلى قدر إغراق المجاز وحُسنه يزيدُ المعنى وضوحا ، وعلى قدر نزُوله وبُعده ينتقص المعنى ، فالنظرُ في هذه الآية من جهة مااشتملت عليه من الأنواع المجازية كالاستعارة والتشبيه والكناية ، فنقول : إِنّ اللّه عزّ سلطانه لمّا أراد أن يُظهر فائدة الخطاب اللغويّ - وهو أنّا نريد أن نردَّ ماانفجر من الأَرض إلى بطنها فارتدّ ، وأن نقطع طوفان الماء فانقطع ، وأن نُغيض الماء النازل من السماء فغاضَ ، وأن نقضي أمر نوح وهو إنجازُ ما كنّا وعَدْنا من إِغراق قومه فقُضيَ ، وأن تَقرّ السفينةُ على الجوديّ فاستقرّت ، وأَنْ نُلقي الظلمَة غَرقى ، وأن نُبعدهم عن رحمتنا بالعقوبة ، فلمّا أراد اللّه تعالى أن يؤَدّي هذه المعاني اللغوية على أساليب العلوم البيانية ، باستعماله المجازات فيها ، وترك العبارات اللغوية جانبا - فلا جَرمَ ساق الكلامَ على أحسن سياق بتشبيه المراد منه هذه الأمور بالمأمور الذي لايتأتّى منه التأخيرُ عمّا أريد منه ، لكمال الأمر وجلال هيبته ونُفوذ سلطانه ، وشبّه تكوين المراد بالأمر الحَتم النافِذ في تكوين المقصود ، إِرادة لتصوير اقتداره الباهر ، وتقريرا لاستيلاء سلطانه القاهر ، وأنّ السماوات والأَرضين على مااشتملا عليه من هذه الأجرام العظيمة والاتّساعات الممتدّة تابعة لإرادته في الإيجاد والإعدام ، ومُنقادة لمشيئته في التغيير والتبديل ، وأغرق في التشبيه ، بأن جعلهم كأنّهم عُقلاء مميَّزون ، قد عَرفوه حقَّ معرفته ، وأحاطوا علما بوجوب الانقياد لأمره والإذعان لحكمه ، فحتَّموا على أنفسهم بَذلَ المجهود في مطابقة أمره وتحصيل مُراده ، لما وقع في أنفسهم من مزيد اقتداره ، وتصوّروا في ذات عقولهم كُنهَ عَظمَتِه . فعند ذلك عظمت المهابةُ له في نفوسهم ، واستقرّت حقيقة الخوف من سطوته في قلوبهم ، فَضُربت سُرادقاتُ المهابة والخوف في أفئدتهم ، فألقت أثقالها في ساحات ضمائرهم علما بما تستحقّه من جلال الإلهية ، وتحقُّقا لما يختصّ من سمات الربوبية ، تخفقُ على رؤوسهم راياتُ المحامد بتحقّق معرفته ، وتُعقدُ عليهم ألويةُ المهابة والخشية من خشيته ، فلا مَطمع لهم في خلاف مراده ، ولا تشوُّق لهم إلى تأخّر عن مقصوده ، وكلّما